الشيخ محمد الصادقي الطهراني
25
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فإنما يصيده حتى يؤكل ، سواءً أكان هو الآكل أم سواه ، فلأن الصياد وجارحة الصيد شريكان في الصيد فلتكن كأي شريك فلا يأكل كله ، إنما بعضه أو نصيبه حسب الحاجة . وهنا طليق الشرط : « وما علمتم من الجوارح مكلبين » يلحقه طليق الجزاء « فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللَّه عليه » فلا يشترط إلَّا كون الصياد من الجوارح المعلَّمة الممسكة عليكم صيدها ، سواء أقتلته أم لم تقتله ما لم تأكل كلَّه أو كثيره . وهنا « مما أمسكن عليكم » تشترط أن تصيد الجارحة وتمسك عليكم لا على نفسها ، فواجهة تعلمونهن مما علمكم اللَّه هي الصيد لصاحبها كيفما كان أخذها إياه . وجملة القول في الجارحة المعلمة أنك إذا أرسلتها إسترسلت ، وإذا دعوتها أجابت ، وإذا أردتها لم تفر ، وإذا أخذت حبست ولم تأكل اللهم إلّا قلًّا ، فإذا تكررت منها هذه فهي معلَّمة يحل صيدها إذا أمسكت عليك وذكرتَ اسم اللَّه عند إرسالها . « 1 » وترى « مما أمسكن عليكم » ماذا يعني تبعيضه ؟ لو كان « ما أمسكن » لدل على أكل كله وهو لا يجوز فإن في الصيد أجزاءً محرمة ، ثم « مما أمسكن » لا تدل على واجب إمساك كل الصيد كشرط لحله ، فقد يكفي أن يمسك عليكم كأصل في صيده وإن أكل بعضاً كما هو طبع الكَلَب في جارح الصيد « 2 » ثم قد يكون « ما أمسكن » كل الصيد فليس
--> ( 1 ) ) كما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وفي تفسير الفخر الرازي 11 : 144 عن عدي بن حاتم عنه صلى الله عليه وآله « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللَّه فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم اللَّه عليه وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئاً فإنما أمسك على نفسه » ( 2 ) ) ومما يدل عليه صحيحة رفاعة سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الكلب يقتل ؟ فقال : كل ، فقلت إن أكل منه ؟ فقال : إذا أكل منه فلم يمسك عليك ، وإنما أمسك على نفسه » ( التهذيب 3 : 345 والاستبصار 4 : 69 ) أقول : إنما أمسك على نفسه هو مورد التحريم إن لم يدرك ذكاته ، وإن أمسك عليك حل وإن أكل منه . وصحيح ابن مسلم وغير واحد عنهما عليهما السلام جميعاً أنهما قالا في الكلب يرسله الرجل ويسمي ؟ قالا : « إن أخذ فأدركت ذكاته فذكه وإن أدركته وقد قتله وأكل منه فكل ما بقي ولا ترون ما يرون في الكلب » ( الكافي 6 : 202 والتهذيب 2 : 344 ) . وخبر حكم بن حكيم الصيرفي قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام ما تقول في الكلب يصيد الصيد فيقتله ؟ قال : لا بأس بأكله ، قلت : إنهم يقولون : إنه إذا قتله وأكل منه فإنما أمسك على نفسه فلا تأكله ؟ فقال : كل ، أوليس قد جامعوكم على أن قتله ذكاته ؟ قال قلت بلى ، قال : فما يقولون في شاة ذبحها رجل أذكاها ؟ قلت : نعم ، قال : فإن السبع جاء بعدما ذكاها فأكل منها بعضها أيؤكل البقية ؟ فإذا أجابوك إلى هذا فقل لهم : « كيف تقولون إذا ذكى ذلك وأكل منها لم تأكلوا وإذا ذكاها هذا وأكل أكلتم » ؟ ( الكافي 6 : 203 والتهذيب 3 : 345 ) . وأما خبر أحمد بن محمد قال سألت أبا الحسن عليه السلام عما قتل الكلب والفهد ؟ فقال قال أبو جعفر عليه السلام : « الكلب والفهد سواء فإذا هو أخذه فأمسكه فمات وهو معه فكل فإنه أمسك عليك وإذا أمسكه وأكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه » ( المصدر ) وموثق سماعة بن مهران قال سألته عما أمسك عليه الكلب المعلم الصيد فهو قول اللَّه تعالى « وما علمتم من الجوارح . . . » قال : « لا بأس بأن تأكلوا مما أمسك الكلب ما لم يأكل الكلب منه فإذا أكل منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه » ( المصدر ) فقد يعني الأكل منه المحرّم إذا لم يمسك عليك . وفي آيات الأحكام للجصاص عن عدي بن حاتم قال سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن صيد الكلب المعلم فقال : « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه عليه فكل مما أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه » . أقول : المحور في التحريم هو الإمساك على نفسه ولا يلازمه أكلًا ما منه إلا أكل يدل على إمساكه لنفسه كالسبع ، ومما يشهد لذلك إضافة إلى طليق الآية ما رواه عبداللَّه بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لأبي ثعلبة الخنثى فكل مما أمسك عليك الكلب قال : فإن أكل منه ؟ قال : وإن أكل منه